رحلة الحج.. من تدوين أدباء الرحلات وحتى التوثيق بالصوت والصورة
▪︎ واتس المملكة
.
لا شك أن مشقة الحج في العصور الأولى، كانت أكبر مما يمكن أن يشهده الحجاج في وقتنا هذا، ورغم عدم اختراع التصوير، إلا أن الرحالة الأوائل والمؤرخين دونوا في كتبهم وصف رحلات الحج القديمة، ما كون لدينا صورة شبه مرئية عما كان عليه الحج في هذه العصور، التي شهدت في بعض الأعوام توقف موسم الحج، بسبب أمن الحجيج تارة، وبسبب ما عصف بالدولة الإسلامية من أحداث تارة أخرى.
كما رصد المؤرخون مع تقدم الزمن، الاستراحات المشيدة على طريق الحجاج، والمرافق الأساسية كالآبار والمساجد، ووُضعت على الطرق علامات لإرشاد الحجاج لطريق مكة المكرمة، وهو ما جعل الحجاج يتزودون بما يحتاجون إليه من مؤونة قبل وصولهم الأراضي المقدسة، وفي هذا التقرير نستعرض رحلة الحج بين التدوين والتوثيق المصور.
الحج في المخطوطات
من أوائل مَن وثقوا رحلات الحج في مخطوطاتهم، ابن بطوطة، والإدريسي، وابن جبير الأندلسي، وأحمد بن فضلان، وأحمد بن ماجد، والمقدسي، وغيرهم، فوثقوا بما كتبوا مشاهداتهم للطريق من البلدان المختلفة للحجاز، معقبين بانطباعاتهم على هذه المشاهدات.
ووصف هؤلاء الرحالة والمؤرخون، مظاهر استقبال الحجيج ومظاهر الوداع، وقوافل الحج، بدءًا من الاستعداد وحتى العودة، وتجهيز المأكل والمشرب.
أدب رحلات الحج
عرف المسلمون الأوائل أدب الرحلات بدءًا من انتشار الإسلام، وكان المغرب في القرون بين الخامس والثامن الهجري، منارة في هذا النوع من الآداب، والذي وصلنا منه النزر اليسير فقط.
وكان أبرز ما دُون في هذه الفترة من هذا الأدب، هو رحلة الحج الشهيرة لابن بطوطة، الذي غادر طنجة يقصد الحج في عام 725 هـ، ووصف ابن بطوطة رؤيته للكعبة المشرفة أول مرة، قائلًا: “وشاهدنا الكعبة الشريفة زادها الله تعظيمًا وهي كالعروس تتجلى على منصة الجلال، وترفل في برود الجمال، محفوفة بوفود الرحمن، موصلة إلى جنّة الرّضوان”.

إعلان موسم الحج بالطبول
وشهد ابن بطوطة في أول يوم من أيام ذي الحجة قرع الطبول في أوقات الصلاة، إعلانًا عن بدء موسم الحج، حتى الصعود لعرفة، وما تضمنته الأيام المباركة من خطبة لتعليم الناس المناسك، وتسابق أهل مصر والشام والعراق في إيقاد الشمع، حتى الرحيل في اليوم التاسع.
كما وصف ابن بطوطة يوم عرفة، وشكل الجبل في تدويناته، قائلًا: “وجبل الرحمة الذي ذكرناه قائم في وسط بسيط، منقطع عن الجبال، وهو من حجارة منقطع بعضها عن بعض، وفي أعلاه قبة تنسب إلى أم سلمة رضي الله عنها، وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه، وحوله سطح فسيح يشرف على بسيط عرفات، وفي قبليّه جدار فيه محاريب منصوبة يصلي فيها النّاس وفي أسفل هذا الجبل عن يسار المستقبل للكعبة دار عتيقة البناء تنسب إلى آدم عليه السلام، وعن يسارها الصّخرات التي كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندها، وحول ذلك صهاريج وجباب للماء، وبمقربة منه الموضع الذي يقف فيه الإمام ويخطب ويجمع بين الظهر والعصر، وعن يسار العلمين للمستقبل أيضا وادي الأراك، وبه أراك أخضر يمتد في الأرض امتدادا طويلا”.
رحلة شهيرة في أدب الرحلات
وتشتهر رحلة الخديوي المصري، عباس حلمي الثاني -ابن الخديوي توفيق- إلى الحج في عام 1909، في أدب الرحلات الموثق، على يد المؤرخ والرحالة المصري محمد لبيب البتنوني، الذي كُلّف بكتابة “الرحلة الحجازية”، وهو الكتاب الذي أقرته وزارة المعارف المصرية -آنذاك- على الطلبة في المدارس.
وفي “الرحلة الحجازية”، أن الركب انطلق في 11 ديسمبر 1909، من القاهرة بالقطار إلى السويس، ثم ركبوا اليخت الخديوي “المحروسة” فوصلوا إلى رابغ موضع الإحرام للمصريين، فأحرموا ثم انطلقوا بالباخرة مرة أخرى إلى جدة، وفي الأول من ذي الحجة وصلوا إليها.
وقد وصف البتنوني جدة قائلًا: “وفي موسم الحج ترى في جدة حركة مستديمة، لا تنقطع ليلاً ولا نهارًا من الحجاج الذين إذا وصلوا إليها وجدوا على أبواب جمركها مطوفيهم أو وكلاءهم في انتظارهم وهم يُنادون: يا حاج فلان أو يا حجاج فلان (يعنون المطوّف)، فيعرف الحاج اسم مطوّفه فيُنادي عليه وهو في هذه الشدّة، فيُبادر إلى مساعدته ويأخذ منه ورقة جوازه ليُعلّم عليها من قلم الجوازات”.
4 أشهر لرحلة الحج
قديمًا كانت رحلة الحج لا تستغرق أقل من 4 أشهر، وما أن ينتهي عيد الفطر، حتى يجهز راغبو أداء الفريضة القوافل، وكان بعض الحجاج يتجنبون الطرق البرية لوعورتها، مفضلين عليها طريق البحر على صعوبتها وبينهم الحجاج اليمنيون.

الحجاج في مواجهة الطبيعة
ولم يكن الحاج قديماً بمأمن من هبوب عاصفة أو سيل، فيذكر ابن الجوزي أن قافلة حجاج قادمة من الشام في 692 هـ، قد تعرضت إلى رياح عظيمة، حتى إن الريح حملت الأمتعة، فيما اجتاح السيل قافلة الحج المصرية أثناء سيرها بين مكة والمدينة عام 1196هـ.

جوازات السفر
لم تكن جوازات السفر معروفة قديماً، ولكن ما عُرف قديمًا هو النقاط التي يحصل منها المسافر على “بروة”، وهي الورقة التي تحمل إجازة بالمرور، وهو ما تطور بعد ذلك إلى أذون الحج.
أول صورة فوتوغرافية
كانت أولى المحاولات لتوثيق الحج، في الفترة بين 1880-1901، حينما التقط المنتسب للجيش المصري، والمتخرج في مدرسة الهندسة الحربية، محمد صادق بيك المصري، صورًا لمناسك الحج، أثناء زيارته الحجاز خلال الفترة بين 1860 و1880، ليضمنها في مؤلفاته التي كان أبرزها “مشعل المحمل”.
كما تضمن كتاب اللواء إبراهيم باشا، تحت عنوان “مرآة الحرمين”، الرحلات إلى أرض الحجاز ومناسك الحج، الموثقة عبر مئات الصور الشمسية.
فيلم الحج إلى بيت الله الحرام
فيما يعد أول توثيق للحج بالصوت والصورة، فيلمًا من إنتاج شركة مصر للتمثيل والسينما تحت عنوان “الحج إلى بيت الله الحرام”، وهو الفيلم الذي صورته معدات ستوديو مصر عام 1938.
بعدما تقدمت الشركة المنتجة للملك عبدالعزيز آل سعود، بطلب للسماح للفنانين بالتقاط مقاطع مصورة للحج، منذ ما يقارب الـ90 عامًا.
وفي السنوات التالية ومع تقدم أجهزة وأدوات التصوير والتوثيق، توسع توثيق رحلة ومناسك الحج حتى وصل إلى البث المباشر، حيث تحرص الحكومة السعودية على النقل الحي لأحداث هذه الشعيرة العظيمة إلى المسلمين في كل أرجاء المعمورة بمختلف وسائل الإعلام الحديث.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source akhbaar24